الشنقيطي

111

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

العموم ، لأن كل كافر مغضوب عليه ، وحملها البعض على خصوص اليهود ، لأنه وصف صار عرفا لهم ، هو قول الحسن وابن زيد . قاله أبو حيان ، ومما تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى عليه في مقدمة الأضواء : أنه إذا اختلف في تفسير آية ، وكان أكثر استعمال القرآن لأحد المعنيين كان مرجحا على الآخر ، وهو محقق هنا ، كما قال الحسن ، أصبح عرفا عليهم ، وقد خصهم تعالى في قوله : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ [ المائدة : 60 ] وقوله فيهم : فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [ البقرة : 90 ] وقد فرق اللّه بينهم وبين النصارى في قوله تعالى غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [ الفاتحة : 7 ] ، ولو قيل : إنها في اليهود والمنافقين ، لما كان بعيدا لأنه تعالى نص على غضبه على المنافقين في هذا الخصوص في سورة المجادلة في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ المجادلة : 14 ] وعلى هذا فتكون خاصة في اليهود والمنافقين ، والغرض من تخصيصها بهما وعودة ذكرهما بعد العموم المتقدم في عدوي وعدوكم ، كما أسلفنا هو واللّه تعالى أعلم : لما نهى أولا عن موالاة الأعداء وأمر بتقطيع الأواصر بين ذوي الأرحام ، جاء بعدها ما يشيع الأمل بقوله : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [ الممتحنة : 7 ] وعاديتم عامة باقية على عمومها . ولكن اليهود والمنافقين لم يدخلوا في مدلول عسى تلك ، فنبه تعالى عليهم بخصوصهم لئلا يطمع المؤمنون أو ينتظروا شيئا من ذلك ، فأيأسهم من موالاتهم ومودتهم ، كيأس اليهود والمنافقين في الآخرة ، أي بعدم الإيمان الذي هو رابطة الرجاء المتقدم في عسى ، وفعلا كان كما أخبر اللّه ، فقد جعل المودة من بعض المشركين ولم يجعلها من بعض المنافقين ولا اليهود ، فهي إذا مؤسسة لمعنى جديد ، وليست مؤكدة لما تقدم ، والعلم عند اللّه تعالى .